ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
141
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
وينبغي أن يكون الأخذ للدنيا أن لا يأخذها إلّا من حيث يجوز له أخذها وأن يضعها في مواضعها فلا يستحسن من غير الراقي أن يأخذ الحية ليستخرج منها الترياق وينفع به الناس فتلذعه وتقتله ، والتالي باطل فالمقدم مثله ، ونحن إنما ادعينا أن بعض أفراد المستكثرين أفضل من الزاهدين ، وأردنا به الحكيم الذي منع نفسه وحماها عن شهواتها وقيدها بالقيود الشرعية في جميع حالاتها ، ويعرف منافع الدنيا وآفاتها لأنه قد اتصف بالزهد وزاد بترسخه في التقوى والانقطاع إلى اللّه ( تعالى ) . وللعلماء في حقيقة الزهد اختلاف كثير ، وأحسن ما قيل فيه قول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السّلام : لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه اللّه سمّي زاهدا ، ولو أن رجلا يترك جميع ما في الأرض ولم يرد بتركه له اللّه ( تعالى ) لم يسم زاهدا ولا كان في ذلك عابدا . وقال ابن شهاب : الزهد في الدنيا أن لا يغلب الحرام صبرك ولا الحلال شكرك . وكان مالك بن أنس وسفيان الثوري يقولان : الزهد في الدنيا قصر الأمل . وقال ابن الأشعث : سألت فضيل بن عياض عن الزهد فقال : الزهد القناعة وفيها الغنى ، وسألته عن الورع فقال : اجتناب المحارم . وإذا عرفت ذلك فافهم ما قرره النحاة من أن الأفضلية في قولنا : الرجل أفضل من المرأة ، إذا لم ترد به رجلا أو امرأة بعينها ، وإنما أردت أن هذا الجنس من حيث هو أفضل من هذا الجنس من حيث هو لا يصح أن يراد بهذا أن كل واحد من أفراد الرجال أفضل من كل واحدة من أفراد النساء ، لأن الواقع بخلافه ، فكم من امرأة خير من مائة رجل ، وكذلك قولهم : أهلك الناس الدينار والدرهم ، وقوله ( تعالى ) : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ « 1 » فعلم من هذا أن الزهد خير من الاستكثار ، وأن أفرادا من المستكثرين خير من أفراد من الزهاد ، واللّه الهادي إلى سبيل الرشاد والمأمول لنيل المراد .
--> ( 1 ) - الأنبياء : 30 .